فى الانسان والبشر
الانسان
الحياة الرحمية كانت الفردوس للانسان لتوفر كل احتياجاته آنيا.
ثم عندما خرج الطفل للحياة تكونت خبراته على النحو التالى:
- الخبرة الاولى هى المعاناة، عندما شعر بالجوع والعطش والبرد والحر والالم الجسدى، وان سبب المعاناة هو حتمية مرور وقت بين الاثارة واشباعها، أى الانتظار.
- الخبرة الثانية هى الاعتمادية على الام بسبب الضعف الجسمى والمعرفى الذى يمنع الوليد من القدرة على التعامل مع الحياة باستقلالية، ولهذا فإن الوليد قد تزود بما يساعده على عدم التعرض للغفلة من الام، أى البكاء، ذلك النداء الفريد الذى ينبه الام ويعلن العجز والحاجة الى العون ويكون ايضا مصحوب داخليا فى نفس الطفل بمشاعر العجز والجزع معا... ومن جهة الام فقد تزودت بغريزة الامومة حتى تنزع فطريا لرعاية وحماية ذريتها الضعيفة.. انه تنظيم متكامل.
- الخبرة الثالثة هى الكرامة، الطفل بعد صدمة الواقع الاولى أى المعاناة، يشعر بان الحياة لم تكن منصفة معه، لتعامله بهذه القسوة، ولذلك فهو يشعر بانه صاحب قضية عادلة او استحقاق او شئ من هذا المعنى، ويعتبر الواقع العدو الاول له، والام النصير الاساسى له كذلك. هنا تتكون بذرة الكرامة البشرية فى الطفل، فما الكرامة سوى الشعور بانك صاحب استحقاق ما، بشكل عادل.
- الخبرة الثالثة هى ادراك معنى الوجوب، تتم هذه عن الخبرة اولا نتيجة التعرض لتعليمات الوالدين ثم بعد ذلك عن طريق أملاءات الواقع فى مرحلة لاحقة. فالام ثم الواقع بعد ذلك يمليان على الطفل املاءات معينة من اجل تحقق احتياجاته، هنا يدرك الطفل لاول مرة مفهوما جديدا الاوهو مفهوم الوجوب. الطفل كان يعرف ان امرا واحدا هو الذى يجب، ولا يجب شئ غيره – اذا افترضنا اصلا ان له أى وعى من قبل بمفهوم الوجوب – هذا الامر الاوحد الواجب فى نظره هو تلبية احتياجاته. الام تحاول ان تجعل الطفل يتعلم اشياء اساسية فى الحياة مثل الانتظار، او الاعتماد على الذات مثلا.
- الخبرة الرابعة مبنية على الثالثة ومتزامنة معها، وهى الشعور بالقدرة على الاختيار اى الشعور بحرية الاردة. ازاء حقيقة الوجوب الجديدة هذه يشعر الطفل بأنه مطلوب منه ان يقبلها وينصاع لها، هذه التجربة الاولى تجعله يشعر لاول مرة بانه مخير وبالتالى بأن عنده حرية القبول او الرفض، هو فى اول الامر يرفض، ولكنه هنا قد تعلم اهم واجل خبرة فى حياته كلها، الا وهى خبرة ان هناك على الاقل امرا واحدا فى الحياة لا يشعر بالعجز فيه ولا يحتاج الى الاعتمادية فيه، الا وهو القدرة على الاختيار اى القدرة على القبول او الرفض طبقا لقناعته المتواضعة بما يحقق احتياجاته فى هذا الموقف. هنا لاول مرة يشعر الطفل بان هناك امرا يرجع اليه وحده، ألا وهو القدرة على الاختيار. حق الاختيار هذا، مع شعور الكرامة الموضح اعلاه يمثلان الدعامتان الاساسيتان لشعوره بآدميته.... لهذا السبب فأن الحرية والكرامة من الخصائص المتأصلة فى الانسان بالفطرة ولا تكتسب، بل ازعم انهما موجودتان حتى عند الحيوان المدرك لحاجاته اى الواعى بما يريد شعوريا.
- الخبرة الخامسة هى رفض الواقع او او انكاره، هى لا تظهر بنفس هذا التسلسل بل هى تظهر مع المعاناة الاولى التالية للميلاد، كما جاء فى كلامنا فى الخبرة الثالثة عن كون الحياة غير منطفة مع الطفل، يبدأ الطفل فى تنصيب الواقع باعتباره العدو الاول له. العداء للواقع يأخذ شكل التمرد والعصيان على الواقع، كذلك يتكون الخوف الذى هو الدافع الاكثر سيادة لدى الطفل من كافة الدوافع الاخرى فى اول الامر- الخوف من الواقع هو الذى يدفع بالطفل الى انكاره فى اذا اقتضى الامر. كيف يحدث ذلك؟ يحدث لأن الطفل لا يعرف المنطق، انه فقط يعرف ما يشعر به من احتياجات، وما عدا ذلك من تعليمات سواء بالتلقين من الوالدين، او نتيجة خبرة من الواقع، ما هى كلها الا مجرد اقتراحات، اقتراحات له ان يأخذ بها او لا يأخذ، بحسب مدى قناعته آنئذ بقدرتها على تحقيق احتياجاته. مع نمو عقل الطفل وقدراته الجسدية ومساعدة الوالدين له على القيام ببعض الامور بنفسه تبدأ نظرته الى الواقع فى التغير شيئا فشيئا، فيتحول من عدو لدود مخيف، الى مجرد خصم يمكن قهره والتعايش معه. واذا مضت الامور على نحو جيد فى هذا الصدد فإن الطفل عند اكتمال النضج الاساسى لعقله اى حوالى فترة البلوغ يستطيع ان يتخلص من الاعتمادية على والديه ويصبح مهئيا للاعتماد على نفسه والمضى فى الحياة بقوة... ولكن الامور عادة لا تمضى بهذه السلاسة، فمن النادر او حتى من المستحيل واقعيا ان ينشأ طفل الى مرحلة النضج بتدعيم ايجابى قوى بنسبة مائة فى المائة تجاه كل الامور... عموما دور التربية الصحيحة هو مساعدة الطفل نحو ارساء التدعيم الايجابى نحو معظم امور الحياة الاساسية قدر المستطاع.
- الخبرة السادسه التى يكتسبها الطفل بعد نمو وعيه وفهمه المبدئى للواقع هى تكوين اتجاه جديد عنده بضرورة اكتساب القوة، الطفل وهو يعلم ان الواقع عدو لا يهادن عرف ان سبيله لقهر الواقع هى محاربته بالقوانين التى تحكمه، اى باكتساب القوة التى عمادها مواجهة المواقف وعدم الخوف او النكوص الطفلى الذى اعتاده من قبل، الطفل يكتسب هذا الاتجاه نحو القوة مبكرا، ولكنه نظرا لضعف قدراته سواء الجسمية او المعرفية بالحياة لا يقدر على الانصياع انيا لمطالب هذا الاتجاه الجديد، ولكنه ينجح فى ذلك عادة عندما يشتد ويجتاز مرحلة الطفولة، مالم تكن لديه معوقات سلبية، كالكثير من التدعيم السئ تجاه المهام الحياتية.
التدعيم هو وجهة نظر الطفل –والانسان عموما- الصميمة تجاه المهام المختلفة المتنوعة فى الحياة، ونقصد بالصميمة انها المتحكمة فى اتخاذه للقرار... ان التدعيم بالمعنى المبسط يعنى ما يجعل الانسان يحب القيام بهذا الامر أولا يحب. وبالرغم من أن المنطق الصحيح يفترض ان الامور لا يجب ان تمضى بطريقة الميل اوالنفور، ولكن بمبدأ الوجوب القائم على الفائدة الموضوعية المتوسمة، الا ان التدعيم فى حقيقة امره لا ينشأ بالضرورة فى ضوء المنطق ولكن فى ضوء التاريخ السابق. الخبرات السابقة سواء كانت موفقة او محبطة هى التى تحدد نوع التدعيم الكائن تجاه امر ما، صحيح ان المنطق والادراك السليم قد يلعب دورا ايجابيا حيويا فى "طريقة فهم الانسان" لخبرة ما مر بها وبالتالى تكوين التدعيم بطريقة صحية، ولكن الامور فى الواقع نادرا ما تمضى بهذه الطريقة، اذ تتدخل عوامل كثيرة فى تشكيل تفكير الانسان اثناء التجربة وطريقة تقيمها وتلوى تفكيره ليا، من هذه العوامل وجود احباط سابق، او وجود اى ضغوط انفعالية اخرى راهنة، بالاضافة الى العيوب أو المعوقات الفطرية او الطبيعية ضد التدعيم الصحيح، وتشمل ثلاثة أنواع: نفسية وحسية وعقلية:
النوع النفسى من المعوقات الطبيعية هو النزوع للفورية، فالطفل بفطرته يميل الى الاشباع الفورى لحاجاته ويصعب عليه تقبل حقيقة ضرورة الانتظار. الاعاقة النفسية الطبيعية الاخرى متصلة بغريزة الحرية، حيث ان الطفل يكره الانسياق فى عمل ما لفترة متصلة، وهى ما نطلق عليه الملل او السأم من الرتابة. المعوق النفسى الثالث هو حالة الاضطرار للتخلى عن امر محبب من اجل مهمة لازمة، كترك اللعب مثلا من اجل الدراسة.
النوع الحسى من المعوقات الطبيعية يشمل عدة معوقات حسية منها المقاومة الحاصلة من غريزة الاقتصاد فى الطاقة -أو الكسل الفطرى- وتعنى الميل الفطرى العام لعدم القيام بأى عمل، ما لم تتغلب قوة دافعة ايجابية اكبر نحو التحرك مثل الفائدة المرجوة من العمل. المعوق الحسى الثانى هو حصول التعب سواء العضلى او الذهنى. المعوق الحسى الثالث حالة التعرض للألم اثناء اداء المهمة.
النوع العقلى من المعوقات الطبيعية هى عيوب التفكير الثلاثة المعروفة اى التعميم والايحائية والربط الشرطى.. وخطورة هذه العيوب العقلية شديد لانها هى التى تشكل نوع التدعيم المتكون، والذى سيحدد بدوره مدى التوفيق من عدمه فى المحاولات التاليه. المنفرات النفسية او الحسية المذكورة اعلاه قد تؤدى فعلا للاخفاق فى المهمة، ولكن الطفل قد يعزم الامر على تكرار المحاولة وقد يوفق لولا تدخل المعوقات العقلية بشكل مثبط للهمة، فيبدأ فى النفور من المهمة قبل ان تبدأ، المعوقات الطبيعية العقلية رغم ضررها، تكون احيانا مفيدة، كالايحاءات الايجابية مثل التشجيع مثلا... حقيقة الامر ان كلا نوعى التدعيم سواء الايجابى اوالسلبى قائم على التعميم، الطفل يعمم حكمه او انطباعه من تجربة واحدة، على كل التجارب التالية التى ستأتى فى المستقبل.
الايحاء أيضا له دور خطير، لانه هو اليد الفاعلة للقوى اللاشعورية النشطة فى النفس اثناء الموقف... التدعيم فى حد ذاته احد هذه القوى اللاشعورية ، فأذا كان التدعيم سلبيا فانه فى المحاولة التالية يبث الايحاءات المثبطة ويشعر الطفل ان المهمة منفرة، واذا كان ايجابيا يبث الايحاءات الدافعة ويشعر الطفل بان المهمة محببة. هناك نوع اخر من المكونات اللاشعورية التى تولد ايحاءات، الا وهى المكبوتات التى تنشط فى الموقف لاى سبب.
المكبوتات ببساطة ماهى الا رغبات لم يتم تحقيقها، ثم لم تتعامل النفس مع عدم التحقيق هذا بطريقة صحية، الطريقة الصحية هى ان تقول النفس لابأس هذا الامر لم يتحقق الان، حسنا ربما يتحقق لاحقا، او تقول لقد كنت ارغب فى امر يستحيل تحققه اذن لانصرف عنه..... لكن لوتعاملت النفس مع الموقف فى غفلة من الشعور - أى المنطق - تظل الرغبة جاثمة على النفس كقوة تطلب التنفيذ.. هنا لا تسنطيع النفس التنفيذ وفى نفس الوقت لا تتحمل استمرار ضغط هذه الرغبة طوال الوقت، فهذا لا يطاق... تلجأ النفس الى حل مريح مرحليا الا وهو تجاهل هذه الرغبة، هنا تنتقل الرغبة من الشعور الى اللاشعور بكامل طاقتها، محاولة من ان لاخر الضغط على النفس من اجل تحققها، يكون سلاحها هنا هو الايحاء... مثال لذلك، شخصان كانا حريصين دوما على المظهر المتأنق ثم المت بهما ظروف مادية عصيبة منعتهما من القدرة على اقتناء الملابس الانيقية كما كان حالهما سابقا، احدهما تفاعل مع الموقف بطريقة صحية بأن قال لنفسه حسنا انا مضطر الان الى اقتناء ملابس بسيطة لا بأس ربما تنفرج الامور لاحقا، الشخص الاخر لم يستطلع كبح جماح غضبه على واقعه الجديد وظلت الرغبات جامجة داخله، مولدة الام الحرمان مما كان يحب، كلاهما سابقا والان فى نفس الواقع فى الماضى تأنق والان ملابس بسيطة ولكن الاول تعامل مع الموقف بنضج ولم يحصل عنده كبت، والثانى اصبح تعيسا بسبب الكبت الذى حصل عنده وترتب على هذا الكبت بالاضافة الى الاستهلاك النفسى، تصرفات لا داعى لها مثل الملاحظة الشديدة لمظهر الاخرين وربما الحقد اوالحسد عليهم، ثم اذا انفرجت الاحوال سيعود صاحبنا الاول الى الملابس الانيقة كما كان فى السابق، بينما الشخص الاخر سوف يندفع بالكبت الى الاسراف والتظاهر الممجوج... هذا ما هو الا مثال بسيط للتوضيح واخترت امرا عاديا مثل الملابس، ولكن الكبت قد يحصل فى امور اكثر اهمية وخطورة مثل النجاح فى التعليم اوالعمل اوالحياة الزوجية او الحياة بشكل عام... هناك نوع اخر من الدوافع المكبوته تحول هدفها وتصبح دوافع متحوله مثل الشعور بالنقص قد يدفع الى طموحات التفوق او يدفع الى الاجرام فى حق المجتمع – بحسب الاحوال. من هنا، من المهم جدا انتباه الانسان لدوافعة الماثلة فى كل موقف، واذا ما حرص الانسان على ان يكون فقط متيقظا شعوريا لكل ما يختلج في نفسه، فسوف يرى الكثير من فساد حجج العديد من دوافعه اللاشعورية، لان الدافع المكبوت يأتى الى منطقة هامش الشعور ومعه كل مسوغات وجوده اى المبررات العقلية انئذ التى نشا عليها، فاذا كان الانسان يقظا شعوريا فانه قادر على ببساطة على الرؤية الواضحة -لاول مرة فى ضوء الشعور الذى لا يكذب ولا يغالط - لمدى هشاشة الاساس التى نشأت عليه تلك الدوافع – ان منطقة الشعور هى النور الذى اودعه الله فينا لنرى الحق اينما كان... ولكن الامر ليس بهذه السلاسة لان الكثير من المكبوتات تكون مصحوبة بطاقة انفعالية عالية اكبر من قدرة الانسان على تحملها ومواجهتها مرة واحدة، قد يحتاج الى المساعدة او التدرج فى الاصلاح.
التدعيم السلبى والمكبوتات هى الاوهام التى تعذبنا وتفسد حياتنا .. الانسان هنا ينشأ لديه اتجاه ايجابى قوى منذ باكورة طفولته الاولى الاوهو دافع الصدق والقوة انه الدافع المكتسب الذى اقنع الطفل عقليا بأن قبول الواقع والانصياع الى قواعد العقل والمنطق هو الاوجب فى هذه الحياة من اجل حياة افضل واكثر استقرار ... ولكن الاقتناع العقلى وحده لا يكفى، لابد من وجود تدعيم ايجابى مساند لهذا الاتجاه، لابد من ثمرة فعلية تقنع الطفل بأن هذا هو الافضل له فعلا، من انكار الواقع... وبحسب التوفيق والاحباط الفعلى يتحدد مع مرور الوقت والخبرات نوع التدعيم نحو اتجاه القوة هذا، وبالتالى مدى قدرة الطفل على ان يكون قويا ناضجا.
الصراع الناشئ بين اتجاه القوة والمكبوتات بما فيها التدعيم السلبى يحدث فى النفس شعورا بالثنائية وبرغم ان كلا القوتين ماثلتين فى النفس كمتناقضات الا ان احدى الكفتين ما تكون ارجح فى وقت من الاوقات، فان كانت الغلبة للقوة فى وقت ما، كانت حال الانسان هى القوة والثقة بالنفس، واذا كانت الغلبة فى وقت اخر للمنظومة اللاشعورية السلبية فانه يشعر بالضعف وخداع النفس خاصة اذا كان دافع القوة ما يزال ماثلا بدرجة ما، بل قد تلجأ النفس الى حيل لا شعورية لافساد عمل دافع القوة من اجل الخروج من الصراع .. الصراع هو من اشد الاحوال وطأة على النفس.
نخلص من هذا الى ان النفس ما هى الا برمجات شأنها فى ذلك شأن الكمبيوتر مثلا مع الفارق وهو ديناميكية البرمجة اى تجددها، والقدرة على البرمجة الذاتية بالايحاءات وبالتعميم او بالتفكير المنطقى مثلا... هذه البرمجات قد تكون مجرد حقائق مجردة عادية مثل المعرفة والحقائق عن الحياة والاشياء، وقد تكون اعتقادات عن قدرات الذات، اى تدعيم سواء ايجابى او سلبى، الفرق بين المعرفة المجردة والتدعيم ان المعرفة حقيقة عامة موضوعية تقبل الاثبات والتصحيح بالمنطق وبالمزيد من المعرفة، اما التدعيم فهو عقيدة بشأن امر يعنينا من حيث قدرتنا عليه، وبشأن كونه بالتالى محبب لنا او منفر، المنطق ليس اول العوامل الموثرة فى نشأة التدعيم عادة... اذن النفس قد تكون مليئة ببرمجات متناسقة او متناقضة، لا غرابة فى ذلك، المكبوتات والتدعيم السلبى يمكن ان توصف معا بالمكونات المناقضة فى النفس، وهى مع ممارسات الصراع الضارة مثل التآمر اللاشعورى على الضمير أو خداع الذات وحصيلة ذلك من الشعور بتدنى القيمة الذاتية، يمكن ان نطلق عليها معا بالمكون السلبى فى النفس... هنا نقطة هامة يلزم ذكرها وهى ان المكون السلبى –اى الكبت والتدعيم السئ وخداع النفس- لا تتكون فى الطفولة وحسب، بل يمكن ان تتكون فى اى عمر طالما ان الانسان ما زال يفكر بطريقة طفولية، طالما هو لايزال يفكر بطريقة قائمة على التعميم التلقائى، والاستسلام للايحائية الناتجة بفعل مكوناته السلبية القائمة.
لو نظرت للامر بمنظور فلسفى، سترى فى واقع الامر، ان الانسان يعيش فى تفاعل حياتى واحد متصل منذ ميلاده الى مماته.
التحرر من المكون السلبى يبدا باتباع الطريقة الحياتية الناضجة، والتى تقوم على المنطقية فى النظرالى الامور ورفض الايحائية والنكوص الطفلى عند مواجهة المواقف، وبهذه الطريقة مع شئ من التوفيق يبدا التدعيم فى الانصلاح شئيا فشيئا، وتبدا النفس فى التخلص من اوهامها ومكوناتها السلبية... من عبقرية الخلق فى الانسان، انه فى اوج ضعفة تحت الايحاءات والمكبوتات والصراع، يمكن فى لحظة واحدة ان يكون فى اوج قوته، اذا ما قرر ان يرى الامور فى نور منطقة الشعور... حقيقة الامر ان الانسان طوال حياته يرصد الحياة والمواقف وطريقة تعامله معها سواء ناحجة او فاشله، انه يرصد كل هذا لحظة بلحظة فى ضوء منظومتان تعملان معا فى نفس الوقت: منظومة الضمير اى منظومة الصدق والقوة او المنطقية، ومنظومة المكون السلبى لديه، وهذا هو الذى يفسر لماذا الانسان فى اى لحظة يعرف فى قرارة نفسه ان هذا صواب وأن ذلك خطأ، بصرف النظر عما سيقوم به فعلا.. اذن الطريقة الحياتية الناضجة قأئمة على انشاء تدعيم قوى نحو جذب النفس، واستقطابها لفعل ما تراه فى قرارة نفسها فى اى لحظة على انه الصواب، أى الذى يتفق مع الصدق والمنطق، اى مع الضمير، فما الضمير الا حالة المثول الدائم لاتجاه الصدق والقوة.
اننى مصر على أن النفس واحدة، وانفر بشدة من فكرة ان النفس ثلاثية تتكون من هو وانا وانا اعلى، وحتى انفر من القول بالثنائية النفسية اى وجود شخص ناضج داخلنا، واخر متمرد غيرناضج .. النفس واحدة وما تلك الثنائية التى نشعر بها الا انعكاس لحالة النفس عندما تتجاذبها منظومتان متناقضتان من البرمجة النفسية،. وعندما نشعر بانفسنا صغارا او غير ناضجين فما ذلك الا لأن النفس فى هذا الوقت مستسلمة لبرمجة سلبية والعكس صحيح، وعندما نشعر فى قرارة انفسنا اننا خبثاء او حتى وضيعون مع انفسنا، فما ذلك الا نتيجة المؤامرات اللاشعورية التى تقوم بها النفس ضد الضمير للخروج من الصراع، او للتحرر من مطالبه التى ترى النفس فى هذا الوقت انها ثقيلة عليها، لعدم وجود التدعيم الكافى لها... حقيقة الامر اننا لسنا خبثاء ولا وضيعين، وانما انفسنا الضعيفة هى فقط فى حالة دفاع عن نفسها ضد الضمير نتيجة اوهام العجز المتسلطة عليها.. حقيقة الامر اننا فى تلك المواقف مساكين بائسين.
النفس اذن واحدة ولكنها قد تحتوى برمجات متناقضة.
تخليص النفس من المكونات السلبية يسمى الاصلاح الاساسى لانه يهدف الى العمل داخل النفس وجعلها متكاملة ومتسقة مع نفسها وينهى انقسامها وصراعها الداخلى، يوجد ايضا اصلاح اضافى اخر للنفس، أطلق عليه الارتقاء بالنفس... الاصلاح الاساسى يهدف اساسا الى تخليص النفس من المكون السلبى، اما الارتقاء فيهدف الى تحسين حياة الانسان والمجتمع على افضل نحو بالاهتمام بالقيم الاخلاقية والمبادئ العالية، والمزيد من المنطقية والحكمة فى تناولنا لخيارتنا الحياتية. الاصلاح الاساسى يخلص النفس من الاوهام السلبية اى التدعيم السئ والمكبوتات وانهاء الانقسام والصراع الداخلى، ولكنه لا يتناول القيم ولا الاخلاق باستثناء قيمة الصدق مع النفس والمنطقية والقوة.
الاصلاح الاساسى يقوم على تعويد الانسان على اتباع الطريقة الحياتية الناضجة فى التفاعل مع المواقف، وانعدام النكوص الطفلى والهروب من الواقع، يعنى المنطقية والجدية فى كل شئ، وهو بهذا يهدف الى التخلص من الايحائية المثبطة الناشطة بفعل التدعيم السلبى او الاتجاهات المضادة للانجاز وكافة المكبوتات والاوهام الكائنة فى النفس، او على الاقل الغاء تأثيراتها على القرارات الى يتخذها.
انا اطلق احيانا على الاصلاح الاساسى العودة للسواء لاننى اتصور انه يفترض فى الوضع الطبيعى للانسان لو نشأ طبيعيا ان يصل تلقائيا الى القوة الداخلية بمجرد اكتمال قدرات عقله على التعامل مع الواقع اى حوالى فترة المراهقة، ولكن تدخل التربية الخاطئة ومطالب الثقافة المحيطة على الطفل تلقى به فى غياهب الاحباطات المتتالية بما ينشأ عنها من مكبوتات وتدعيم سئ... اذن المكون السلبى فى النفس البشرية واقع حضارى او ثقافى تربوى مصطنع، وليس امرا حتميا على النفس البشرية على ما أظن.
بما ان التفاعل الحياتى الناضج مع المواقف يقوم على المنطقية التامة فانه يؤدى الى نتيجة تلقائية –لعلها فى الحقيقة ليست نتيجة قدر كونها الوجه الاخر للامر- الا وهى قبول الواقع. قبول الواقع يعنى الاقرار والانصياع لقوانين الواقع بمعنى تقبل حقيقة ضرورة القيام ببذل الجهد والانتظار من اجل تحقيق انجاز ما، وتقبل حقيقة ان هناك مواقف لا يمكن تغييرها فى بعض الاوقات، وليس أمامنا سوى أن نتقبلها... اذن مبدأ قبول الواقع يتلخص فى : "بذل الجهد والرضى بما ليس منه بد" أوبعبارة اخرى، فإن مبدأ قبول الواقع يؤدى بالانسان ان يكون شعاره او لسان حاله كالاتى " اسعى بجد نحو تحقيق اهدافى، وارضى بما ليس منه بد".
هذا هو السبيل الحيقيقى للسلام الداخلى.
يبقى بعد ذلك ان يتعلم الانسان كيف يختار اهدافه بشكل صحيح.
اولا - بأن تكون فى نطاق المقدرة، والمقدرة نوعان: الاول المقدرة البشرية المطلقة، فلا يعقل ان يهدف رياضى الى ان يركض بسرعة الفهد مثلا... والنوع الثاني المقدرة الشخصية الفعلية، سواء الحالية او فى المستقبلة، مثلا لا يمكن لشخص غير موهوب فى الرسم على الاطلاق، ان يطمح ليصبح رساما، ولكن يمكن لطالب صغير ان يهدف ليصبح مهندسا او عالما لانه من الممكن ان تسمح قدراته المستقبلية –أى تأهله العلمى- بتحقيق هذا الهدف.
ثانيا - وهى نقطة هامة فى شان تحديد احتياجتنا الحياتية - ألا وهى الانتياه الى التفرقة بين الحاجات الطبيعية للانسان، والحاجات المصطنعة سواء الايجابية الو السلبية فى الاخيرة.
الحاجات الطبيعية للانسان هى التى توجد لدى كل البشر ولا يجوز القول بعدم وجوبها، وتشمل بشكل عام ضرورات البقاء للفرد والنوع ، مثل حاجة الانسان الى القوت، والملبس، والمأوى، والتناسل، ورعاية النسل الناشئ، والانتماء للجماعة من اجل الحماية ومن اجل التعاون.... اما الجاحات الثانوية او المصطنعة فهى تلك التى تنشأ اما بتاثير الثقافة السائدة فى المجتمع او بفعل عوامل داخلية مثل الفهم الخاطى او المكبوتات.
والامثلة كثيرة فمن المنطقى او الطبيعى ان يرغب الانسان فى ان يكون له عمل وان ينشأ بيتا وان يتزوج وينجب ، ولكن من المصطنع سواء بتأثير ثقافة ضحلة او بتأثير مكبوتات ان يكون تحقيق هذه الحاجات يهدف ايضا الى التباهى او التفاخر او من اجل الاثبات لشخص ما بانك افضل منه بسبب عقدة (كبت) نحوه.
اننى ازعم بأن السعى نحو تحقيق الذات او اثبات الذات ماهى الا حاجة ثانوية مصطنعة، وليست صميمية فى النفس البشرية، بل لعل جذور تكوينها فى الاصل سلبية، بالرغم من انها تدفع الانسان فى اتجاه الانجازات العظيمة والتفوق، وبالرغم من كونها اصبحت من قيم حياتنا المسلم بها... اننى ارى الانسان يتفوق فى عمله وينجز انجازات عظيمة من باب واجب العطاء لمجتمعه فقط، لهو افضل واشرف له من ان يقوم بالانجازات لمجرد ان يثبت شيئا - انه عدم نضج متوارث للاسف.
على البشر ان يراجعوا كل الموروث الثقافى والحضارى لازاله كل ماهو غيرمنطقى فى نشأته من القيم والاتجاهات والعادات المتوارثه والمأخوذه كأمور مسلم بها.
علينا ان نعيد تقييمنا لثقافاتنا المتوارثة خاصة فيما يتعلق بالتفاخر والتباهى والتظاهر بالنعم، لانها كلها تنم على عدم النضج فى جزء من كياننا الثقافى.
الكثير من الحاجات الثانوية او الاصطناعية -بل كلها- معنوية فى الاساس، يعنى انها تهدف الى تحقيق مطلب نفسى، وليس مطلب حسى كالطعام او الجنس مثلا. لذلك فانه فى سياق عملية نضج الشخصية او الاصلاح الاساسى فإن الانسان عادة ما يصبح اكثر وعيا بحاجاته الثانوية او الاصطناعية ويتخير منها ما هو ايجابى ويمثل فائدة فعلا، مثل ان يسعى الانسان لينجج فى الحياة من اجل تحقيق ما يريد (هذا مطلب طبيعى) ومن اجل ان يكون قدوة حسنة ايضا (مطلب ثانوى ايجابى يفيد المجتمع) وليس من اجل التظاهر والتباهى والتفاخر او النكاية فى شخص ما (مطلب ثانوى سلبى غير ناضج).
هذه التفرقة التى انادى بها لا تعنى دعوة للانسان للتقشف او للعيش فى حدود المطالب الطبيعية المحضة، والا اصبحت حياة الناس جافة تماما، من حق الانسان ان يسعى الى حياة ميسرة بل ومترفة اذا استطاع، لكن بشرط انه يريد ذلك فعلا لنفسه واسرته، بشكل طبيعى من اجل الاستمتاع فقط بهذه، وليس من اجل اشباع اى اهواء كالتظاهر مثلا او نتيجة عقد حرمان قديمة – الاهواء تشمل امران الاول الدوافع اللاشعورية السلبية الدفينة، والثانى ما ينشأ بفعل ثقافة ضحلة غير ناضجة اوغير منطقية ثم تروج فى المجتمع وتتوارثها الاجيال باعتبارها حكمة مورثة من الاسلاف رمز للهوية الحضارة، والهوية منها براء.
هذا الذى اتكلم عنه هو تجرد الارادة بمعنى ان تكون كل الامور مجردة من كل شئ الا من الفائدة المباشرة المطلوبة منها، فانا اشترى سيارة لاننى محتاج للانتقال ولانى احب ان انتقل بشكل اكثرراحة من المواصلات العامة مثلا، ولكنى لا اشترى السيارة كى يقول الناس عنى انى امتلك سيارة مثلا، ولا اختارها سيارة غالية من اجل التباهى ولكن لاننى فعلا احب المزايا التى فى السيارة الاغلى من اجل نفسى ومن معى، وليس من اجل احد، او من اجل شئ.
تجريد الارادة هو احد اوجه نضج الشخصية.
البشر
لا يستطيع الناس ان يعيشوا منفردين كما تعيش النمور مثلا .. انهم بجاجة الى ان يكونوا معا ليس فقط من اجل غريزة التناسل، ولكن لحاجات الحماية المشتركة ضد الاخطار ثم - فى مرحلة لاحقة بعد ظهور الحضارات - من اجل التعاون الاقتصادى أى تقسيم العمل والتبادل.
الانتماء هو اداة الانسان لتحقيق هذا الاحتياجات وهو الغريزة الفاعلة التى تجعله ينضم للجماعة وينخرط فيها.
اذن الانتماء غريزة وحاجة انسانية اساسية تهدف الى تحقيق الحماية فى المقام الاول ثم الى ايجاد القرين كأهداف طبيعية بالاضافة الى التعاون على العيش – التعاون الاقتصادى – كمطلب حضارى مكتسب بعد ذلك.
باعتبار ان تكوين الاسرة اصبح امرا ذاتيا فى حياتنا المعاصرة، وباعتبار ان الحماية متحققة للانسان بحكم الانتساب للدولة، طبقا للعقد القائم، فليس للانسان اى حاجة الى الاخرين الا فى مجالى التعاون الاقتصادى – تبادل المنافع الحياتية بلغة العصر – ومجال الدعم الانسانى عند الحاجة كواجب اجتماعى بين المواطنين بعضهم بعضا.
بوجود الانسان مع الانسان نشأ المجتمع ، وبنشاة المجتمع تحجمت حرية الانسان والغيت شريعة الغاب، حتى لا يكون الاجتماع وبالا على الناس بدلا من ان يكون نفعا لهم .. فى شريعة الغاب فأن مشيئة الكائن الاقوى هى التى تنفذ، وهى القانون، ولا يوجد عقد اجتماعى، وهم مربطون لبعضهم من اجل الحماية المشتركة والتناسل، ونافرون من بعضهم بسبب الاطماع المتنازعة سواء على الطعام او على الزمام والاناث.
العقل البشرى ساعد الانسان على الارتقاء، بان جعله يدرك قيمة حب الخير للاخرين كما يحبه لنفسه، وجعله يدرك ان الداعى للمجتمع هو الفوائد العائدة من الاجتماع، وليس الأطماع المستثارة، صحيح ان التاريخ الفعلى للبشر لم يمضى فى هذا الاتجاه، بل على العكس لا يوجد كائن استغل بنى جنسه مثلما فعل الانسان بالانسان، ويكفينا كعار علينا بين المخلوقات جميعا اننا الكائن الوحيد الذى ابتكر الاستعباد لبعضه بعضا.. وسخير الحيوان لنفسه وقد خلقه الله حرا... ولكن فى النهاية يبقى ان الانسان بدأ فى العصور المتأخرة او مرحلة التنوير سواء بالاديان السامية، او بالفكر الفلسفى المستنير، يعود الى انسانيته.. ووضعت اسس جديدة للعقد الاجتماعى تضمن السلام والتقدم للمجتمع قائمة على احترام الحقوق الاساسية للانسان كالكرامة والحرية والمساواة.
ليس المجتمع موضوع حديثنا الاساسى ولكنه الانسان... وما ذكرته هنا بايجاز عن المجتمع انما جاء فقط من اجل ان نرى ما الذى يحتاجه الانسان من الناس وبسبب وجوده مع الناس وما يتوجب عليه ايضا فى المقابل نحوهم. نجد ان هذا يتلخص فى مجرد التواجد قرب الناس (غريزة القطيع) او الائتناس بالناس، وفى الحصول على القرين، وفى تبادل المنافع –بحكم توزيع الاعمال- وفى تبادل وطلب الحماية والدعم والعطاء، وفى الاحترام المتبادل للحقوق وعدم الاعتداء عليها – اى باللغة المعاصرة الالتزام بالقوانين والاعراف السائدة – كواجبات عليهم جميعا كمواطنين صالحين. واخيرا فى الدفاع عن حقوقه واستردادها اذاما تعرضت للتهديد او للاعتداء. وليس الانسان فى حاجة الى الناس فى غير ذلك على ما أرى.
التفهم والمودة الاجتماعية من العوامل المدعمة والمعمقة للشعور بالانتماء، ولكنها فى حد ذاتها لا تندرح تحت الاحتياجات الانسانية الاساسية، لكون قيمة الانسان فى الاساس يجب ان تنبع من ذاته وليست رهنا برأى ومشيئة الآخرين.
حاجات الانسان الاساسية هى:
- التوافق الداخلى، سواء بالصدق والقوة (الاصلاح الاساسى واستعادة السواء)، أوبغيره.
- المطالب الحياتية المعتادة بما فيها تكوين بيت واسرة ونشود حياة اكثر يسرا وراحة.
- تحقيق الانتماء بالاضطلاع بواجبات المواطن الصالح.
القيمة الذاتية للانسان تتحدد بقيمتين رئيسيين:
- الاولى مدى ما لديه من قوة على الانجاز، وملك لزمام الامور.
- الثانية مدى نزاهته فى الاضطلاع بواجبات المواطن الصالح.
معالم الشخص الصحيح:
- شخصية صحيحة:
- الاصلاح الاساسى واكتساب القوة والتجرد.
- الارتقاء بالشخصية بالقيم والمبادئ.
- نجاح مهنى:
- التأهل العلمى ومتابعة الجديد.
- التدريب والخبرة.
- حياة خاصة ناجحة:
- تكوين اسرة صحيحة.
- تحسين مستوى المعيشة.
- مواطن صالح:
- الاخلاص فى العمل.
- حماية الوطن والدفاع عنه.
- الاسهام فى تقدم المجتمع.
- دعم الناس ومساعدتهم.
- تقديم نسل صالح للمجتمع.
- الالتزام بالقانون واحترام حقوق الاخرين.
اذن انا – الشخص الافتراضى – ماذا على ان افعل بحياتى:
- أتحرى القوة والتجرد كطريقة لحياتى
- المطالب المعتادة، وتكوين أسرة، وتحسين المعيشة، وحل المشاكل الطارئة، وحماية حقوقى
- اتقان العمل، والمساهمة فى تقدم المجتمع، ودعم الناس.