هل انتهاك كرامة انسان تحصل بما يقع عليه من تصرفات سلبية معينة من الاخرين ام ان انتهاك الكرامة من عدمة راجع لنوع رد الفعل الذى نتخذه؟
هل التصرفات السلبية من الاخرين ليست كافية وحدها حتى تتهك كرامة انسان؟ بل لابد من رد فعل مخزى مثل التخاذل عن المطالبة بالحق او الجبن الخ حتى نحسب ان كرامة الانسان قد انتهكت؟
اذن يلزم التفرقة الان بين الاعتداء والمهانة ،كلاهما نعم راجع لتصرفات سلبية من الاخرين ضدك او ضد حقوقك، والعدوان قد يمس الكرامة ولكنه وحده لا يشين المرء .. انما الذى يشين ونقول عنه هنا المهانة هى سكوتك او تخاذلك عن الدفاع عن نفسك او حقوقك المغتصبة .. بعض الناس قد تغفل عن حقوقها لاسباب مختلفة مثلا من باب تجنب المشاكل أوالتسامح والاحتساب عند لله، ولكن ليست هذه كلها مهينة... فقط عندما يكون الجبن .هو السبب فى عدم المطالبة بالحق تكون هنا ابشع صور المهانة
التفرقة هنا من عدة اوجه هامة
وقوع اعتداء على انسان حتى ولو كان ماسا بكرامته او ادميته لايشين فى حد ذاته الانسان، فكل انسان معرض للاعتداء، ولكن المشين هو التخاذل او الجبن عن المطالبة بالحق .. والتخاذل كلمة تتضمن كل ما هو مشين كالجبن والخوف واللامبالاة
تفرقة اخرى هامة هى فى الخلفية وراء رد الفعل المتخذ .. فنفس رد الفعل قد يكون مشينا فى حالة وقد لا يكون فى حالة شخص اخر .. المسيح يقول لك اذا ضربك انسان على خدك الايمن فادر له خدك الايسر ، والقرآن يدعوك لان تكظم غيظك وتقابل السئية بالحسنة، فهل يستوى من يقوم بالتسامح عن ايمان بمن يترك حقة عن جبن
هناك ايضا تفرقة قاعدية هامة واساسية وهى معدن الانسان فهناك انسان يشعر بالالم الحقيقى فى داخلة لاى انتهاك لكرامته او قميته المعنوية، حتى ولو ظل صامتا ولم يبد شيئا، وهناك ذلك الصنف الردئ من البشر!! الذين لا يألمون من اى ايذاء معنوى، او من أى فعل ماس بالكرامة
اذن نخلص من كل هذا الى نقاط محددة وهى اولا ان ما يعقع من تصرفات الاخرين السلبية علينا، ليس مشينا بحد ذاته وانما فقط قد يمثل اعتداءا... ثانيا ان هناك حالات يمكن التغاضى او التسامح فيها، وحالات اخرى اى التى تمس الحقوق الاساسية تمثل انتهاكا خطيرا ولا يجوزالتسامح فيها لان التسامح فى هذه الحالات يكون مشينا خاصة اذا كان السكوت نتيجة ضغف او خوف اوجبن... ثم اخيرا ان وقوع المهانة على انسان او عدمه هو رهن رد بمدى ما يتسم به من صدق وشجاعة فى تعامله مع الموقف، فهناك مجموعة من الافعال والصفات تعد مشينة ومهينة للانسان منها التخاذل الذى تناولناه اعلاه والرضى او السكوت على الضيم، او التفريط فى الحق، بالاضافة الى مجموعة اخرى من الرذائل الاخرى كالجبن والكذب ونقض العهد والخيانة والنفاق والخسة والانتهازية والنذالة.
وفى معرض التباين فى مدى قسوة الاحوال التى قد يتعرض لها الشرفاء، هناك نوع على الاقل من أشد المحن، الا وهى الاختيار ما بين الخضوع للقهر أو القتال المؤدى للموت. ما القهر؟ انه الحرمان التام بالقوة من القدرة على اتخاذ اى خيار حياتى، والخضوع كرها لارادة شخص اخر اذا اردت ان تستمر فى الحياة .. انه الغاء لحريتك التى هى عماد ادميتك
توجد العديد من الامثلة سواء على مستوى الافراد او على مستوى الشعوب: من امثلتها التاريخية القوية عصور العبودية كمثال للافراد، وكمثال للشعوب تلك التى خضغت للاحتلال. وفى هذه المثال الاخير اذا استغرضنا حال شعب تعرض للاحتلال من عدو يفوقه فى القوة سواء فى عصورنا الاخيرة او القديمة، فكيف سنجد انماط رد فعل اصحاب الارض مع المحتل؟ سنجد ان اصحاب الارض طبقا لمدى الشجاعة والعزة لدى كل منهم، تصرفوا ازاء الاحتلال بثلاثة طرق مختلفة: النوع الاول هم الاكثر شرفا وكرامة قاتلوا عن ارضهم حتى الموت، وماتوا فعلا وهم شرفاء، والنوع الثانى اراد ان يقاتل او قاتل فعلا، ولما رأى ان لا قبل له بقوة المحتل غادر وهاجر املا ان يقوى فى ارض اخرى ويعود يوما ليسترد حقة، والنوع الثالث هم من بقوا حيث هم فى بلدهم او ماكانت بلدهم وخضعوا للمحتل ولم يقاتلوا او يهاجروا، واصبحوا من اهل الداخل ليكونوا مواطنين من الدرجة الثانية او الأخيرة.
بتحليل هذه الانواع الثلاثة نجد ان النوع الاخير الذى خضع انما آثر ما البقاء مع ما ألفه من طريقة يراها امنة للعيش أى بيته وحقله اوعمله مع الخضوع للمحتل على ان يغادر الى مصير مجهول، هؤلاء لا كرامة ولا عزة عندهم، وهم اخس واردأ البشر. النوع الثانى هو النوع العادى او الافتراضى للانسان الطبيعى الذى عنده غريزة البقاء هى اقوى الغرائز، لذلك عندما رأى ان الحفاظ على ارضه سيهدد حياته لعدم تكافؤ قوته مع المحتل رأى ان يغادر ويهاجر، هو لم يرض بالعيش خاضعا ولم يرد ان يموت بلا طائل حسبما رأى، اما النوع الاول والذى ظل يقاتل دفاعا عن ارضه او حقه حتى الموت فهم ذوى المعدن النادر، وهم كالذهب ، لم يقدموا تضحياتهم بغية شئ سوى المبدأ، والمبدأ اساسه بصيرة صادقة، بصيرة ترسم له صورتان مختلفتان عن النصف او الجزء الباقى من حياته من بعد هذه اللحظة الحالية الحاسمة: احدى هاتين الصورتين تصور باقى حياته بانه فى خضم القتال مع العدو رأى تفوق الغاصب وايقن انه هالك هالك دون استرداد ارضه فأثر الحياة عن الاستمرار فى القتال ولكنه سيظل عائشا من بعد ذلك بمذله ومهانة لا يهنأ العيش معها ابدا، هذه الصورة وكانها ترسم بقية حياته بخط ولون مختلف عن باقى حياته السابقة لون كريه بغيض ... الصورة الاخرى مفهومة وهى ان يستمر فى القتال الى النهاية اى اما استرداد حقة اوالموت بشرف، هنا الصورة كانها ترسم بقية حياته القصيرة بنفس خط حياته السابقة اى خط الشرف والعزة ... هاتان هما الصورتان التى توضحهما له بصيرته بكل جلاء . ولانه انسان ذو معدن نادر ولا يقبل الحياة مع الذل، فأنه صادقا مع نفسه سيختار القتال بكرامة وشرف دفاعا عن ارضه وعرضه، حتى وان انتهى بالموت، عن ان يعيش ذليلا ولن يشفع له امام نفسه التبرير بان غريزة الحياة هى اقوى من اى شئ او اى شئ من هذا القبيل، انه لا يختار الموت من اجل الادعاء او حتى من اجل صورته لدى الاخرين، ولكنه لسبب واحد بسيط وواضح انه فى قرارته نفسه يختار فعلا صورة حياته المرسومة بنفس الخط واللون لمعدنه ولانه لا يقدر فعلا فى قرارة نفسه ان يختار تلك الصورة الاخرى المرسومة بخط ولون مختلف اى لون المهانة والذل... انه فعلا فى قرارة نفسه يرى الموت اهون من العيش مع الهوان، وحتى وان منعته الظروف من الق او هادن خلال كفاحه وعاش دون ان يسترد ما اغتصب منه، فلن يهنأ ابدا بحياته بعد ذلك ابدا... انه معدنه هكذا
ولذلك، فان افضل الرجال هم الذين ذهبوا