اذا كان من الأهداف الاساسية لتغيير الشخصية الخروج من حالة الاستهلاك والتأزم الداخلى والانطلاق الى الحياة، فلابد من تناول الجذور والاسباب التى ادت هذا الاستهلاك والتأزم
السبب الرئيسى هو عدم النضج الحياتى الذى يؤدى بالانسان الى الكثير من المشاكل المعلقة بلا حل.
لانه بالطريقة ا لحياتية الناضجة تمضى حياة الانسان بلا مشاكل سواء معلقة او غير معلقة.
الطريقة الحياتية الناضجة تقوم فى جوهرها على المنطقية التامة أو قبول الواقع الذى يعنى التهيؤ الطوعى لبذل الجهد من اجل غاية وكذلك الكف عن سلوك لا يثمر مثل النكوص الطفلى ثم أهم شئ فى قبول الواقع هو تلك السكينة الرائعة والقوة العظيمة معا، التى تتكون فى النفس عندما تتهيأ لقبول ما ليس منه بد. ماذا يعنى قبول الانسان لما ليس منه بد؟ كيف يحدث ذلك؟ انه نوع من النشاط النفسى الايجابى الذى يجعل النفس تسيطر على نوع الانفعال وبالتالى الدافع المتخذ فى حالة عدم القدرة على تحقيق امر معين اوتغيير الواقع لظروف خارجة عن ارادة الانسان، هنا يصبح الانسان وكأنه ليس فى حاجة الى ذلك الامر وبالتالى تهدأ حالته الداخلية، حقيقة الامر انه طبعا يعرف انه فى حاجة الى تلك الحاجة التى منعت الظروف القاهرة اشباعها ولكنه بعلمه بذلك، يقوم بتقبل الامر اى باتخاذ قرار ارادى بأنه يمكن ان ينتظر اشباع هذه الحاجة او يصرف النظر عنها، برغم حاجته الاصلية اليها وذلك من اجل ان ينهى التوتر الداخلى ويخلص نفسه من اثارة داخلية مستمرة بسبب تلك الحاجة التى تستهلكه بلا طائل .. اذن الامر هو اختيار اى ان قبول الواقع عبارة عن عملية اختيار بين بديلين اما الجزع (استمرار المعاناة الداخلية من عدم تحقق امر ما) واما القيام بهذه السيطرة الارادية على الامر .. وطبعا اى اختيار انما يتم لاعتقاد النفس فى فائدة اكبر فى الشئ الذى تم اختياره عما تم تركه.. عملية قبول الواقع هى كأنما الانسان يخاطب نفسه قائلا انا لم اعد اريد هذا الامر على الاقل فى هذه الظروف .. هذا يعنى ان النفس فى اول الامر عندما قررت انها تريد هذا الامر فعلت ذلك بشرط اساسى هو توسمها مسارا ايجابيا للامور، فإذا ما عاندت الظروف العصيبة تحقق الامر فهذا يعنى ان الامر ياخذ مسارا غير الذى تم توسمه ، وبالتالى تقوم النفس اراديا بالتخلى عن هذه الرغبة اصلا، على الاقل فى ضوء الظروف غير المواتية هذه .. هذا الميكانيزم قد يجعلنا نفترض ان توسم النفس مسارا سلسا للاحداث هو احد الشروط التى تضعها بشكل ضمنى من اجل استمرارها فى الرغبة فى امر ما .. طبعا الامر ليس عادة بمثل هذه السلاسة لان تلك الحاجة التى تم الحرمان منها ربما تكون امرا اساسيا مثل ضرورات المعيشة او ان يكون الموقف محنة عسيرة .. هنا يكون قيام النفس بقبول الواقع نوعا من القوة الداخلية الحقيقية، لان ما تم الحرمان منه فى هذه الحالة ليس مجرد شئ مقترح تأخذ به النفس او لا تأخذ، بل هو امر اساسى استعصى على التحقيق، فالنفس رغم انها طبعا متضررة موضوعيا من عدم تحقق الحاجة، فإنها غير جازعة .. ما ذا يعنى ذلك؟ انه يعنى ان اية اثارة تحدث بسبب اختلال موجبات الاستقرار فى البيئة انما تؤدى الى نتيجتين الاولى موضوعية وهى الضرر الحاصل بسسب هذا الاختلال، والثانية هى الاثارة الداخلية التى تدفع الكائن لاتخاذ السلوك المناسب لتغيير الواقع على نحو يعيد الاستقرار وينهى الاثارة، فاذا ما منعت الظروف القاهرة تعديل الموقف المثير فانه بالاضافة الى الضرر الموضوعى الباقى من بقاء الموقف على حالة فإن الاثارة الداخلية والتى تعد المرأة الداخلية للاضطراب البيئى الخارجي تكون هى المشكلة، الانسان لا يتحمل الاستمرار اللانهائى لاثارة ما دون اشباع، هذا فوق طاقته النفسية، ولابد له عندما يدرك ذلك ان يتخذ اجراءا دفاعيا لحل المشكلة الداخلية، حتى ولو كان غير مثمر من الناحية الخارجية، وهنا تفرقة مهمة فى نوع الدفاع المتخذ، فهناك النمط الطفولى للخروج من ضغط الاثارة ويتضمن تكوين المكبوتات، وهذا ميكانيزم غريب يعنى باختصار انك فعلا تكف عن امر ما بسسب الظروف المحيطة ولكنك لا تسطيع ان تمنع نفسك من استمرار التعلق به وبالتالى تكبت هذه الرغبة او التعلق وتسبب المعاناة الباطنة بسبب عدم التحقق، وهذا هو الكبت ويكون مصحوبا فى هامش الشعور بمشاعر الضعف، اما رد الفعل الصحى او الناضج يسمى بالقمع ويعنى انك ايضا تكف عن امر بسسب أن الظروف المحيطة غير مواتية، ولكن وانت تصرفه من نفسك كلية، بمعنى انك تقرر اراديا انك لم تعد تريده فى هذه الظروف. اذن رغما عنى، فلا مشكلة وقبول الواقع خير من الجزع (اى عدم القدرة على الرضى) وخير طبعا من الكبت.
االنضج اذن اختيار قائم على المنطق طبعا، ولكن بالاساس على فائدة آمنت النفس بها .. قبول ما ليس منه بد هو من اعظم الامور الايجابية التى يكتسبها الانسان، واعظم ما نربى به اولادنا .. ويلزم ان يقوم على اعتقاد بفائدة منه، وغالبا ما يحتاج الى نمو تدعيم ايجابى لاستمراره كاى امر جديد يستمر فيه الانسان.
ولكن ماذا عمن يعرف ان الواقع لا يمكن ان يغير ولا يستطيع ان يقبله ؟ وعما لا يستطيع التخلص من امر ملك عليه زمام نفسه دون طائل؟
مسكين بالطبع ولكن ما السبب الذى يجعله تاركا نفسه فى هذا الضعف والهوان؟ وهو يعلم انه بالرضى وقبول الواقع يمكن ان يكون فى وضع افضل؟
اجابة هذا السؤال هى نفس اجابة السؤال الازلى: لماذا يقوم الانسان بالخطأ وهو يعلم انه خطأ؟
انه الخليط الشيطانى فى النفس من التدعيم السئ، والمؤمرات اللاشعورية كالتحويل والتعويض بشأن المكبوتات والطاقات الانفعالية الكبتية العالية، والدوافع الهدمية والضارة التى تكونت فى غفلة من الشعور أو الادراك السليم.
باختصار انها الاوهام التى تسلطت علينا وافسدت علينا انفسنا والحياة
اذن قبول الواقع ومن ثم الطريقة الناضجة للحياة بشكل عام يمكن اعتبارهم كأى اتجاه او قرار يتكون فى النفس شئ ترى النفس انه مفيد، وتبدأ فى اتباعه، ويبقى فقط التوفيق (التدعيم الايجابى) حتى يترسخ ايمان النفس بالطريقة الجديدة، وتصبح شيئا فشيئا من طبائع النفس الثابتة.
ثلاثى الطريقة الناضجة (الثانية والثالثة نواتج من الاولى):
اولا التفاعل الناضج مع المواقف بمعنى المنطقية والتحرر من سطوة الايحاءات المثبطة عند التعامل مع المواقف.
ثانيا الالتزام ببذل الجهد بتفاعل صحيح،.
ثالث ا قبول ماليس منه بد.
يحصل التدعيم الايجابى الفعلى للطريقة الحياتية الناضجة عندما يحصل امران
الاول تطبيقها عمليا بتفاعل صحيح، وتفاعل صحيح هنا تعنى تطبيقها بلا استثقال او تململ أى بروح عالية مستمدة من شغف النفس بها
الثانى هو صدق هذا الشغف اى حصول ارضاء نفسى فعلى مصاحب للتطبيق الصحيح للطريقة الحياتية الناضجة فى المواقف المختلفة
اذن مفتاح اى تغيير يكون عبر استقطاب النفس نحو التغيير اى جعل النفس تشغف بالامر وافضل طرق الاستقطاب هى بالتخيل الاستغراقى اى التخيل القائم على قواعد الواقع - حتى يمكن للنفس ان تؤمن به - تخيل النفس وهى تنجح فى المواقف المختلفة
الاهتمام بجلسات تخيل استغراقى عما تريد النفس ان تصير اليه فى مواعيد يومية منتظمة يعد هاما لشحذ النفس نحو التغيير ومقاومة او حتى انعدام الايحاءات المثبطة للتغيير ... الايحاءات المثبطة هى افراز من افرازات المكون السلبى -كالتدعيم السئ السابق- فى النفس، وهى المعول الذى يدمر اى عملية تغيير ايجابى، لذا فإن الاعتماد على عقائد ايجابية لا تقبل التشكك مثل الاعتقاد الثابت بجدوى المنطقية مثلا، بالاضافة الى التخيل الاستغراقى الذى يقوم بعملية محاكاة لتدعيم ايجابى مفترض نحو التغيير المنشود، كل هذا يعد من الوسائل التى اثبتت نجاحا فى كبح تأثير او حتى منع ظهور الايحاءات السلبية المثبطة ... ولكن فى النهاية فأن مواجهة المكون السلبى نفسه قد تكون هى الحل الجذرى، التفكير فى النور و الصدق مع النفس هما من اهم الوسائل التى تملكها النفس لمواجهة مكوناتها السلبية بشكل فعال