قبول الواقع مرة اخرى واخرى
الشعور بالذات هو اهم شعور محرك للانسان فى الحياة
ويتصل به، او يتفرع ايى منها من الاخر، غريزة الحرية اى رفض اعاقة ارادتك
الحاجة الاساسية الى القوة هى من اهم الحاجات البشرية، سواء باعتبارها وسيلة للعيش بشكل افضل، أو من اجل الارضاء المعنوى الحاصل من الثقة بقدرة النفس على الفعل وعلى الرضى ... يمكن ان تدخل هنا ايضا الحاجة الى الامان
كما ذكرت فى تحليل سابق ان القوة متحققة تلقائيا لو نما الانسان منطقيا منذ البداية، دون اى اوهام، لانه فى هذه الحالة سوف يفعل الصواب دوما سواء بالقيام بما يلزم لتحقيق حاجاته او بالرضى بما ليس منه بد ... ربما هناك امر واحد مكتسب او مكتشف فى المسألة الا وهو تعلم القدرة على التحكم فى المشاعر والدوافع باعتبارها الميكانيزم الامثل لتحقيق الجلد فى القيام بالاعمال ولتحقيق الرضى بما ليس منه بد
هل التحكم الارادى فى الانفعالات والدوافع امر يتم بالفطرة اى بالمنطق وحسب؟ ام انه شئ اكتشفه وتعلمه الانسان لفائدة منه؟ مثل تخفيف المعاناة الحياتية؟ وهل الامر مجرد تخفيف المعاناة الداخلية الناتجة من وجود المشقة؟ .. هذا كلام قد يبدو يناقض نفسه، لان المعاناة الداخلية من شقين شق موضوعى لا يمكن تغييره الاو هو ما يرد من الاعصاب الحسية مثل التعب والالم، وقسم اخر راجع لتضخيمنا لهذه المدركات .. والتضخيم ليس من المنطق وانما من الوهم ... اذن من يعيش بشكل منطقى وحسب ليس لديه اوهام تضخم المنفرات الفطرية، ولكن فقط ادراكه الموضوعى للامر .. ولكن حتى الادراك الموضوعى للمنفرات الفطرية لا يحظى بانطباع ايجابى لدى النفس، ولذلك اطلقت عليها لفظ المنفرات الفطرية .. هذا النفور الفطرى بطيبيعة هو دافع للكف عن الاستمرار فى المهمة ... انه موقف يضع الانسان فى حالة اختيار بين امرين كلاهما مر .. الشخص المنطقى يعرف ان التكاسل لن يحقق الا ارضاء لحظيا، بينما الحاجة الاصلية ستظل قائمة، هنا سيقرر ان يقوم بالعمل المطلوب ربما مع شئ من الاستثقال الموضوعى للمنفرات الفطرية القائمة، ولكن نلحظ فى النهاية ان ما يجب عمله قد تم عمله.
تحليل اخر مدعم
الانسان بالمنطق عرف ان تحقيق الحاجات يقتضى الجهد وعرف ببساطة انه بمجرد قيامه بالجهد المطلوب فان اموره سوف تمضى على افضل نحو ... لكنه عرف ايضا ان هناك نفور فطرى من الجهد، فماذا كان انطباعه عن هذه المنفرات ؟ بصرف النظر عن الانطباع الموضوعى اى الميل المبدئى للكف عن المهمة، فان هناك ايضا انطباع مضاد مركب قد تكون على اساس ادراك الانسان بان الانصياع لهذه المنفرات سيكون عقبة فى سبيل تحقيق حاجاته، وبالتالى ناصبها العداء ... فاصبح المنطق يقول للانسان ان الاستسلام لهذه المنفرات الفطرية هو الشر الذى يعطل حياتك، وبالتالى تكون لدى الانسان اتجاه مكتسب صحيح بالتجلد فى وجهها
فما الذى حصل بعد ذلك نتيجة اتباع هذا الاتجاه الجديد بشكل جيد؟ حصل نوع من اليقين المؤسس على التجربة الفعلية (تدعيم ايجابى) بأن الانسان ظل دائما يختار القيام بالعمل الصواب ... هذا اليقين هو ما نسميه بتعبيراتنا المألوفة تحقق الثقة بالنفس ... انه شعور يؤدى الى حالة عالية جدا من الاطمئنان والشعور بالقوة وملك زمام الامور ... هذا الشعور هو المكافأة فى حقيقة الامر .. ثم يصبح استمرار تحققه - بعد ان خبر الانسان روعته - من اهم مطالبه المعنوية فى الحياة
الرضى بماليس منه بد متحقق تلقائيا لو ان الانسان منطقي منذ البداية، من الناحية الموضوعية الواقع غير مرغوب بالطبع، ولكن الانسان لا يضخم الامر فى داخله انه فقط يدرك الواقع والضرر الموضوعى الحاصل، ولكنه يمضى فى حياته نحو ما عساه ان يفعله لتغيير هذا الواقع عندما تسنح اى فرصة، ويكون هادئا بلا جزع ولا قنوط ولا ابتئاس - تلك الاحوال المعنوية السلبية التى هى من رواسب الطفولة والتى لا معنى ولا طائل منها، سوى خلق معاناة اضافية وهمية دون داع
قبول الواقع بشقيه اى بالقيام بالعمل المطلوب، والرضى بماليس منه بد، ربما ايضا قد يكون مصحوبا بشعور داخلى من السلوى او الدعم لقضية الانسان الازلية ضد الواقع بشكل غير شعورى، بمعنى ان الانسان وكأنه يقول للواقع - الذى هو فى الاصل عدوه اللدود - انا ارضخ لقوانينك فماذا تريد بعد ذلك ؟ ... انه اشبه بان تزيد قضيتك عدالة ... هذا الشعور الزائد بالاستحقاق ربما يكون مبعثا للراحة والسلوى، خاصة لدى من لم يتخلصوا تماما من دوافعهم الاستشادية أو الرثائية
عموما من كل جهة وبحسب حاجات كل نوع من البشر، نستطيع ان نجد دائما الفائدة من قبول الواقع
التحكم فى المشاعر (الانفعالات) وبالتالى الدوافع، والحالة المعنوية الداخلية عموما، امر ملحوظ فى ممارسة قبول الواقع، وفى حالة الرضى بما ليس منه بد، انما تتم بناء على الادراك المنطقى للموقف ... وفى حالة التجلد فى وجه المنفرات الفطرية انما ايضا تتم بناء على القرار المتخذ بعدم الرضوخ للمنفرات الفطرية باعتبارها معوقات لسير حياتنا بالشكل الصحيح
يعنى فى كلا الحالتين يتم التحكم الارادى فى الانفعالات وبالتالى الدوافع بناء على قرار وفائدة ... فى حالة الرضى بما ليس منه بد هناك قرار قائم بضرورة النظر للامور بمنطقية، لفائدة المنطقية فى تحسين حياتنا ... وفى حالة القيام بالواجبات هناك قرار بالتجلد لفائدة منه، وحقيقة الامر القرار بالتجلد هو ايضا راجع للقرار الاصلى بالمنطقية
اذن التحكم فى المشاعر والدوافع ليس امرا مكتسبا تعمله الانسان، بل هو من صميم الميكانيزم النفسى لتنفيذ القرارت المتخذه .. النفس تمرر المشاعر والدوافع المتفقة مع القرار المتخذ، وتنصرف عن تلك التى تضاد هذه القرارات وحسب .. ولكن المنطقية لانها منصبة اساسا على عملية انشاءنا لقرارتنا، اعطت لممارسة التحكم فى الانفعالات والدوافع زخما اضافيا، وقيمة اثرت حياة الانسان المعنوية.
لماذا؟
لانها تؤيد اشباع الحاجة الاساسية للقوة تلك الحاجة التى نمت – ان لم تكن فطرية – نتيجة ادراك الانسان ان ضعفه هو سبب معاناته ... ونفس الادراك هو الذى ادى بالانسان الى الايمان بالمنطقية ... حقيقة الامر كأننا نتكلم عن وجهين لشئ واحد: المنطقية وقبول الواقع
اذن الخص الامر
تم التجلد فى الاصل بناء على رؤية للمنفرات الفطرية على انها ضد تحقيق حاجاتنا
بعد ذلك نتيجة النجاح فى تطبيق ذلك، نما الشعور بالثقة الذى اشبع الحاجة الى الشعور بالقوة والامان، واصبح هذه المشاعر العالية بمثابة النتيجة او المكافأة
بعد ذلك اصبح استمرار حصول الشعور بالقوة وملك زمام الامور، المطلب الاهم فى حياة الانسان المعنوية
بالتدعيم والترسيخ، تتحول هذه من مجرد قرارات الى قيم اصيلة يتحراها الانسان فى حياته، ويحرص على اتباعها، وينقلها للاجيال من بعده.